بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين سيدنا محمد (صلي الله عليه وسلم) …
أما بعد …
فإن هذه كبسولة وضعتها في علم مصطلح الحديث قصدت بها وجه الله تعالى ؛ وقاصد وجه الله تعالى لا يخيب .
ثم أردت أن ينفع الله تعالى بها طالب العلم الشرعي في أن يستذكرها فيجمع الله له بها ما تفرق ، ويذكره الله تعالى بها - في دقائق معدودات - ما قد نساه من هذا العلم ؛ فإني رأيته من أشد العلوم الشرعية تفلتا من طالب العلم.
وقد راعيت فيها تسلسل الفكرة وبساطتها فكأنما علم المصطلح حكاية تُروى. كما راعيت فيها وضوح الفكرة ، وبساطة التعريف الإصطلاحي، مع ذكر السبب الذي جعل العلماء يطلقون هذا الاسم (المصطلح) علي هذا النوع من الحديث.
أسأل الله العلي القدير أن يتقبل مني هذا العمل خالصا لوجهه الكريم ، وألا يجعل فيه حظا للنفس ولا للشيطان ، وأن أجده في ميزان حسناتي يوم العرض عليه - سبحانه - ، وأن يجزي عنا نبينا محمد (صلي الله عليه وسلم ) خير ما جزى نبيا عن أمته ، وأن يجعل هذا العمل في ميزان حسنات والديّ ، وأن يرحمهما كما ربياني صغيرا ، وأن يجزي إمامنا الشهيد حسن البنا خيرا عن الإسلام والمسلمين ، وأن يتقبل عمل الدعاة والعلماء والقادة من الإخوان ومن سائر المسلمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أخوكم / أحمد عبد التواب سلطان
الحديث النبوي يتكون من جزئين هما:
1- المتن: وهو العبارة التي نبحث نسبتها إلي النبي صلي الله عليه وسلم.
2- السند: وهو سلسلة الرجال الموصلة للمتن. ويسمى أيضا الإسناد.
وقد يصل إلينا الحديث من أحد طريقين هما
1- طريق التواتر : والمتواتر هو ما رواه في كل طبقة عدد كثير (وأقل الكثرة عشرة) تحيل العادة تواطؤهم علي الكذب بحيث يكون مستندهم الحس (سمعنا، رأينا، حدثنا، أخبرنا).
وقد يكون المتواتر لفظيا (وهو ما تواتر لفظه ومعناه) أو معنويا (وهو ما تواتر معناه دون لفظه). والحديث المتواتر مقبول يجب العمل به دون البحث عن حال رواته.
2- طريق الآحاد : وهو ما لم يجمع شروط المتواتر (كأن يقل الرواة في أي طبقة من طبقاته عن العشرة). ويتوقف قبول الحديث – الوارد إلينا عن طريق الآحاد – أو رده علي حال رواته واتصال سنده.
وحديث الآحاد باعتبار عدد الرواة في أقل طبقة ينقسم إلي:
1- الغريب أو الفرد: وهو ما انفرد بروايته راو واحد (في أي طبقة من طبقات السند أو في كل طبقات السند) فإن كان التفرد في طبقة الصحابي فهو غريب مطلق، وإن كان التفرد في غير طبقة الصحابي فهو غريب نسبي.
2- العزيز: وهو ما رواه اثنان في جميع السند أو في أقل طبقة من طبقات السند.
3- المشهور (وربما يطلق عليه المستفيض): وهو ما رواه ثلاثة فأكثر في أقل طبقات السند بما لا يبلغ حد التواتر.
و ينقسم حديث الآحاد إلي مقبول (وهو ما ترجح صدق المخبر به ويجب العمل و الاحتجاج به) ، و مردود (وهو ما لم يترجح صدق المخبر ولا يجب العمل ولا الاحتجاج به) و أنواع المقبول هي :
1- الصحيح لذاته.
2- الصحيح لغيره.
3- الحسن لذاته.
4- الحسن لغيره.
و الحديث الصحيح : هو ما اتصل سنده بنقل العدل تام الضبط عن مثله إلي منتهاه بغير شذوذ ولا علة.
فللحديث الصحيح خمسة شروط هي
1. اتصال السند
فكل راو أخذه مباشرة عمن فوقه من أول السند إلي منتهاه. ( وهذا أول شروط الصحة ).
وهذا السند يتكون من طبقات عامة (تتكون كل طبقة في داخلها من طبقات) تبدأ من أول السند هكذا :
1. المصنف : ( وهو صاحب الكتاب كالبخاري ومسلم مثلا ).
2. ثم شيوخ المصنف.
3. ثم تابعي التابعين.
4. ثم التابعين : والتابعي هو من لقى الصحابي وكان مسلما ومات علي الإسلام. ويدخل في طبقة التابعين المخضرمون: وهم من أدركوا الجاهلية وعاصروا النبي صلي الله عليه وسلم وأسلموا ولكن لم يلقوه صلي الله عليه وسلم.
5. ثم الصحابة : والصحابي هو من لقى النبي صلي الله عليه وسلم مسلما ومات علي الإسلام وإن تخلل ذلك ردة.
6. ثم النبي صلي الله عليه وسلم وهذا هو آخر السند.
وقد تتكون الطبقة العامة من ثلاثة طبقات داخلية مثلا باعتبار السن : كبار الصحابة، أواسط الصحابة ، صغار الصحابة. وقد يكون تقسيم الطبقات باعتبارات أخرى مثل الأفضلية مثلا : طبقة الخلفاء الراشدين (وهي علي ترتيب الأفضلية : أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب) رضي الله عنهم أجمعين. ثم طبقة باقي العشرة المبشرين بالجنة، ثم طبقة أهل بدر، ثم طبقة أهل أحد، ثم طبقة أهل بيعة الرضوان، وهكذا …
فإن اخـتل شرط اتصال السند كان الحديث ضعيفا وتتوقف تسمية هذا الحديث الضعيف لعدم اتصال السند علي نوع السقط (الانقطاع) في السند.
فإن حدث سقط ظاهر في الإسناد بسقوط راو فأكثر فهو الحديث المنقطع علي أي وجه كان انقطاعه.
فإن كان هذا السقط الظاهر من مبدأ الإسناد فسقط راو أو أكثر فهو الحديث المعلق.
وإن كان السقط الظاهر من آخر الإسناد فسقط من بعد التابعي فهو الحديث المرسل.
وإن كان السقط الظاهر بسقوط اثنين فأكثر علي التوالي أثناء السند فهو الحديث المعضل.
وقصر المتأخرون اسم المنقطع علي ما لم يكن معلقا ولا مرسلا ولا معضلا.
وإن كان السقط في الإسناد خفيا فهو قسمان: الحديث المدلس ، والمرسل الخفي.
والتدليس: إخفاء عيب في الإسناد وتحسين لظاهره. وهو أنواع.
فإن روى الراوي عمن سمع منه ما لم يسمع منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه فهذا تدليس الإسناد.
وإن أسقط الراوي ضعيفا بين ثقتين لقى أحدهما الآخر فهذا تدليس التسوية.
وإن أراد الراوي ألا يٌعرف شيخه الذي يروي حديثه الذي سمعه منه فسماه ، أو كناه ، أو نسبه ، أو وصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف فهذا تدليس الشيوخ.
وأما المرسل الخفي فهو أن يروي الراوي عمن لقيه أو عاصره ولم يسمع منه ما لم يسمع منه بلفظ يحتمل السماع وغيره مثل: قال ، حدّث ، خطب …
والفرق بين المرسل الخفي والمدلس أن سماع الراوي من الشيخ لم يحدث أصلا في المرسل الخفي. بينما في المدلس فقد حصل السماع ولكن روى عن شيخه ما لم يسمع منه إضافة إلي ما سمعه منه.
ويقبل الحديث المعنعن والمؤنن (وهو ما روي بصيغة عن فلان عن فلان ، أن فلانا قال) الذي يرويه غير المدلس إذا أمكن لقاؤه مع من روى عنه، واشترط البخاري ثبوت اللقاء .
ويضاف متن الحديث إلي النبي صلي الله عليه وسلم فيسمى الحديث المرفوع وهو ما أضيف إلي النبي صلي الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة. كما يسمى الحديث المسند إذا اتصل سند الحديث للنبي صلي الله عليه وسلم.
وقد يضاف المتن (قول أو فعل أو تقرير) إلي الصحابي أو جماعة من الصحابة سواء اتصل السند أم كان منقطعا فيسمى الحديث الموقوف.
والأصل في الموقوف عدم الاحتجاج به لأنه أقوال وأفعال صحابة، لكنها إن ثبتت فإنها تقوي بعض الأحاديث الضعيفة لأن حال الصحابة كان هو العمل بالسنة.
وما اتصل سنده مرفوعا أو موقوفا يسمى الحديث المتصل.
وإذا أضيف إلي التابعي أو من دونه قول أو فعل فيسمى الخبر المقطوع. والمقطوع لا يحتج به في شيء من الأحكام الشرعية – ولو صحت نسبته إلي قائله – لأنه كلام أو فعل أحد المسلمين.
2. عدالة الرواة
وهي الشرط الثاني من شروط الحديث الصحيح ومعناها كون كل راو من رواته: مسلما، بالغا، عاقلا، غير فاسق (وهذه الصفات تتعلق بالتزام الراوي دينيا) ، وغير مخروم المروءة (تتعلق بانسجام الراوي مع العرف المقبول شرعا). فالعدل: من له مًًًًٍَََِلكة تحمله علي التزام التقوى والمروءة.
وتثبت العدالة بنص علماء التعديل أو واحد منهم عليها ، أو بالاستفاضة والشهرة بالعدالة بين أهل العلم.
ويقبل التعديل من غير ذكر سببه لكثرة أسبابه ، ولا يقبل الجرح إلا مفسرا لأنه لا يصعب ذكره ولأن الناس يختلفون في أسباب الجرح ، ويثبت الجرح والتعديل بواحد ، وقيل باثنين كأنه شهادة.
ويقدم الجرح المفسر علي التعديل إذا اجتمعا في حق راو واحد. وتقبل رواية التائب من الفسق ولا تقبل رواية التائب من الكذب علي رسول الله صلي الله عليه وسلم .
وألفاظ التعديل حسب مراتبها كما يلي:
1. ما كان علي وزن أفعـل التفضيـل مثل: ( أثبت الناس ).
2. ما تأكد بصفتين: مثل ( ثقة ثبت ).
3. ما عبر عنه بصفة دالة علي التوثيق من غير توكيد: مثل ( ثقة ) ، ( حجة ).
وهذه المراتب الثلاثة يحتج بأهلها.
4. ما دل علي التعديل دون إشعار بالضبط مثل (صدوق ) أو ( لا بأس به ) وهي عند ابن معين تعني ( ثقة ).
5. ما ليس فيه دلالة علي التوثيق أو التجريح مثل ( شيخ ) ، ( روى عنه الناس).
وهاتان المرتبتان لا يحتج بأهلهما وإن كان يكتب حديثهم ويختبر. [ من ناحية الضبط].
6. ما أشعر بالقرب من التجريح مثل: ( صالح الحديث ) ، ( يكتب حديثه ).
وهذه المرتبة لا يحتج بأهلها لعدم ضبطهم وإن كان حديثهم يكتب للاعتبار لا للاختبار.
و مراتب الجرح من الأسهل فالأشد فهي:
1. ما دل علي التليين مثل: ( لين الحديث ) ، ( فيه مقال ).
2. ما صرح بعدم الاحتجاج به وشبهه مثل: (لا يحتج به) ، (ضعيف) ، ( له مناكير ).
وأهل هاتين المرتبتين لا يحتج بحديثهم طبعا، وإن كان حديثهم يكتب للاعتبار فقط.
3. ما صرح بعدم كتابة حـديثه ونحوه مثل: (لا يكتب حديثه) ، (لا تحل الرواية عنه) ، ( ضعيف جدا ) ، ( واه بمرة ).
4. ما فيه اتهام بالكذب أو نحوه مثل: (متروك) ، (ليس بثقة) ، (متهم بالكذب) ، (متهم بالوضع) ، (يسرق الحديث) ، (ساقط).
5. ما دل علي وصـفه بالكذب ونحوه مثل: (كذاب) ، (دجال) ، (وضاع) ، (يكذب) ، (يضع).
6. ما دل علي المبالغة في الكــذب مثل: (أكذب الناس) ، (هو ركن الكذب).
وأهل هذه المراتب لا يحتج بحديثهم ولا يكتب ولا يعتبر به.
وعدالة الرواة هي الشرط الثاني من شروط الحديث الصحيح. فإن جرح الراوي من جهة عدالته وتكلم فيه صار الحديث ضعيفا ولا يقبل مطلقا من هذا الطريق. لأنه لو طعن في العدالة؛ لسقطت الرواية مطلقا، ولم يقبل حديثه أبدا لا في الاعتبار ولا في الشواهد ومتابعاتها .
فإن كان ممن يكذب علي رسول الله صلي الله عليه وسلم











