دولة الحرية
إن إقامة الدولة الإسلامية النموذجية هي الغاية والهدف الأسمى للرسالة الإسلامية، فتعبيد الناس لربهم – وهي غاية الغايات – لا يتم علي الوجه التام الكامل الذي يريده الله؛ إلا بوجود المسلم في كنف الدولة الإسلامية التي يتمتع فيها الفرد «أيا كانت ديانته السماوية» بالحرية؛ لأن الله تبارك وتعالى شـاء أنه ) لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( (البقرة:256). هذا الإعلان «بالحرية» لم يتم إلا بعد إقامة الدولة الإسلامية النموذجية النبوية بقيادة رسول الله (صلي الله عليه وسلم) حيث الآية مدنية في سورة البقرة، «فالإسلام لا يتودد بمبدأ ثم ينقضه» ، ولكن الحرية هي من أهم مبادئ الإسلام، وهي فريضة من فرائضه، وسمة من سماته، وصمام من أهم صمامات أمن الدولة الإسلامية.
دولة العقيدة
ولا يمكن أن يمارس المسلم إسلامه بصورة كاملة إلا في دولة حرة «تحترم» مبادئ الإسلام ونظمه و «تحمي» هذه المبادئ والنظم. وأساس هذه المبادئ هي «العقيدة» الصافية السامية، التي تبنى علي فهم عميق، وتحقيق دقيق، هذه العقيدة الراسخة في القلوب عن فهم وإيمان ويقين وحب لابد وأن تجد طريقها للتطبيق فالله (عز وجل) لم يخاطب الذين «آمنوا» في القرآن الكريم إلا ويتبع (سبحانه وتعالى) هذا الخطاب بصفة العمل والتطبيق والتنفيذ «وعملوا الصالحات» وهي أهم السمات الدالة علي صحة ونقاء وسلامة الاعتقاد في قلب المؤمن.
ولا يمكن أن تجد العقيدة الإسلامية سبيلها إلي التطبيق الكامل إلا في دولة «تعلم» هذه العقيدة، و «تحترم» تطبيقات شريعتها في النظم والعلوم والثقافة والآداب والاجتماع والسياسة والاقتصاد وكل نظم الحياة، و «تُعلي» هذه النظم المستمدة من هذه الشريعة علي غيرها من النظم ) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ( (المائدة:48).
الهجرة حادث مفصلي في التاريخ الإسلامي
إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وأصحاب رسول الله (صلي الله عليه وسلم) (ورضي الله عنهم جميعا) حينما اجتمعوا لاختيار حدث مناسب ليجعلوه بداية للتقويم الإسلامي، وقال كل منهم ما عنده من أحداث عظام: كميلاد الرسول الكريم (صلي الله عليه وسلم) فاتحة الخيرات للعالمين، أو غزوة بدر الكبرى .. غزوة الفرقان، أو فتح مكة، أو … غيرها من المناسبات، لم يستقر رأيهم بعد المداولة إلا علي حادث الهجرة، الذي كان حادثا فارقا «مفصليا» في تاريخ الإسلام «كدين» و «أمة» و «منهاج حياة».
لقد حاز حادث الهجرة علي هذا التكريم والتعظيم المتجـدد المستمر لأنه نقل الإسـلام من «عقيدة» في الوجدان والضمير إلي «ممارسة وتطبيق» في واقع الحيـاة. ومن «منهج علمي نظري»لم يختبر إلي «تجربة حية إنسانية واقعية» أسعدت الإنسان بأعظم قدر من السعادة الكاملة الشاملة المتوازنة لم يجدها «الإنسان» في غيره من النظم علي مر التاريخ قبل وبعد التجربة.
ولأنه نقل «المسلمين» من حالة «الاستضعاف والمذلة» إلي حالة «العز والسيادة»؛ فلقد روى البخاري في تاريخه (8/14 ح 1977) والطبراني في الكبير (20/342 ح 805) عن منيب بن مدرك بن منيب عن أبيه عن جده (رضي الله عنه) قال: رأيت رسول الله (صلي الله عليه وسلم) في الجاهلية، وهو يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» فمنهم من تفل في وجهه، ومنهم من حثى عليه التراب، ومنهم من سبه، حتى انتصف النهار، فأقبلت جارية بِعُسٍّ من ماء فغسل وجهه ويديه، وقال: «يا بنية لا تخشي علي أبيك غلبة ولا ذلة» فقلت: من هذه ؟ قالوا: زينب بنت رسول الله (صلي الله عليه وسلم) وهي جارية وضيئة.
العهد المكي : عهد التأسيس
لقد ظل رسول الله (صلي الله عليه وسلم) ثلاث عشر سنة في مكة يدعو إلي العقيدة الإسلامية، وظلت مكة – رغم تزايد عدد المسلمين بها يوما بعد يوم – دار استضعاف لا يستطيع المسلم أن يمارس فيها متطلبات العقيدة فقط فقد كان التشريع لم يوحَ به كما يعلم الجميع. ظلت مكة دار استضعاف، رغم ما شهدته علي يد المسلمين من آيات البطولة الخارقة في الاحتمال والتضحية في سبيل هذه العقيدة. ولم يكن «العهد المكي» يوما عهد العز والتمكين والنصرة والسيادة والتطبيق الأمثل للعقيدة الكامنة الراسخة في الجوانح والأفئدة رغم أنه «الأساس».
العهد المدني : عهد العز والتمكين
ولقد كان «العهد المدني» هو عهد ذلك العز والتمكين والنصرة والسيادة وتطبيق المنهج وتحقيق مراد الله (عز وجل) رغم اعتماده علي أساس العقيدة في العهد المكي. لقد كان عهد «تأسيس الدولة» و «تطبيق المنهج» و «اكتمال التشريع» في جانبيه الشعائري والحياتي، أو جانبيه الفردي والجماعي. ثم كان عهد «بداية الفتوح» ، ومخاطبة العالم كله لتحقيق عبودية «الإنسان» لله رب العالمين، ولقد كان عهد السلام وتحقيق الأمن والأمان والحرية الحقيقية لكل بني «الإنسان».
الحرية : فلسفة منهج .. ورسالة دولة .. وثقافة أمة
ولقد كانت «ثقافة» تحرير العالم ونشر الحـرية والسلام هي ثقافة المسلم البسيط، والجندي «المجاهد» في «جيش» المسلمين الفاتح العظيم، يقول ربعي بن عامر وهو جندي بسيط في جيش المسلمين .. لم يكن قائدا .. ولا عالما .. ولا خطيبا مفوها .. ولا مسؤولا إعلاميا يُجَّمل أفعال هذا الجيش ويبررها ويلتمس لها المعاذير، قال لرستم قائد الفرس حين سأله لماذا جئتم بلادنا ؟ قال: جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلي عبادة الله رب العباد، ومن جور الأديان إلي عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلي سعة الدنيا والآخرة.
هكذا قالها نافيا «ديكتاتورية» الحكام، و «استبداد» النظم، نافيا «استعباد» البشرِ البشرَ، «محررا الإنسان» من تسلط الكهنة، والعقائد المحرفة، والنظم الوضعية علي «إرادته» دون طمع في إسلامه «مقابل» هذا التحرير!! ، بل له «حرية الاختيار» لعقيدة الإسلام أو غيرها فإنه ) لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ( (البقرة:256) ، ) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ( (الكهف:29) وكلٌ سيتحمل نتيجة «اختياره» أمام الله (عز وجل) يوم القيامة. هذه هي «الرسالة» التي «وعاها وأدركها» الجندي البسيط في «جيش» الإسلام الفاتح العظيم.
المرجعية لله ولرسوله
وحينما هاجر النبي (صلي الله عليه وسلم) وشرع في تأسيس «دولته» لم يكُ عفواً أن كان أول أعماله (صلي الله عليه وسلم) أن أقام المسجد، بل أقامه (صلي الله عليه وسلم) ليعلن أن «مرجعية» هذه الدولة الوليدة هي هذه العقيدة الإسلامية، وليعلنها أنها دولة ربانية لابد وأن تستند فيها السياسات والنظم إلي «الإيمان» و «الأخلاق» وليعلن أن هذه الدولة «الإسلامية» دعامتها «العلم والتربية» «فالجامع جامعة الإسلام، ومركز القيادة، والحكم، والإدارة».
الإعلام الحر : ضرورة
ولقد اهتم رسول الله (صلي الله عليه وسلم) «بالإعلام» الذي يجمع الأمة علي الخيرات، فشـاور المسلمين في «وسيلة متميزة» ينبه بها النائم، ويدرك الساهي، ويُعْلِم الناس بدخول وقت الصلاة. فيشير كلٌ برأيه؛ فيرفض رسول الله (صلي الله عليه وسلم) «بوق اليهود» و «جرس النصارى» و «نار المجوس» ، و «يقبل» رسول الله (صلي الله عليه وسلم) «النداء» وهو الأذان. كما اختار (صلي الله عليه وسلم) وسيلة «إعلامية» مهمة ليعلن من خلالها أسس «المنهج والدولة والسياسات والنظم» فكانت «الخطبة». ونظرة لخطبته (صلي الله عليه وسلم) الأولى والثانية تظهر لك ما أشرتُ إليه.
عن نافع أن بن عمر كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس ينادى لها؛ فتكلموا يوما في ذلك فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقا مثل قرن اليهود. فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «يا بلال قم فناد بالصلاة». (البخاري1/219ح579)، (مسلم 1/285ح377)
عن أنس قال: ذكروا النار والناقوس فذكروا اليهود والنصارى، فأمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة. (البخاري1/219ح578)، (مسلم 1/286ح378).
سلامة الجبهة الداخلية : صمام أمن
ولم يكُ عفواً أن ثنى (صلي الله عليه وسلم) بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ولم يكُ ذلك عن ضرورة اجتماعية واقتصادية بل هذا هو ثمرة العقيدة، وعنوان سـلامتها وصحتها، فما لم يمتلئ قلب المسـلم بالمحـبة «لإخوانه» المسلمين؛ فلا عقيدة صحيحة وسليمة فيه، فالعقيدة التي لم تُطَهِر موطنها وهو «القلب» لهي أعجز من أن تقيم علاقة صحيحة مع الله؛ فضلا عن إقامة الدولة «فالإيمان» و «الأُخـوّة» قرينان لا ينفك أحدهما عن الآخـر البتة ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ( (الحجرات:10). هذه المؤاخاة قاعدة جليلة وصمام أمن في بناء الدولة وهي «تأمين وتوحيد الجبهة الداخلية» ؛ فأسهم هذا النظام في ربط الأمة بعضها ببعض، وأسقط تلقائيا وعلي أساس «العقيدة» وكتطبيق لها: أسقط فوارق النسب واللون والوطن والفوارق المادية ونظم التفاضل والتفاخر وأعراف الجاهليات وتقاليد القبليات التي طالما استخدمها الأعداء للتفريق بين أبناء الوطن الواحد، أو العقيدة الواحدة. بل اسـتمرت هذه «الأخوة» حتى كان من ثمراتها الحلوة أن «عصمت» المسلمين من شر أول فتنة «سياسية» لاختيار «حاكمهم» في سقيفة بني ساعدة بعد وفاة رسول الله (صلي الله عليه وسلم) .
تحرير الاقتصاد : قاعدة أساسية في الصراع والبناء
كما لم يكُ عفوا أن يثلث النبي الكريم (صلي الله عليه وسلم) بإقامة «سوق المسلمين» بديلا عن «سوق اليهود» لأن المسلم الذي أناط الله به «تحرير العالم» لا ينبغي أن يقع «تحت السيطرة» الاقتصادية أو غيرها لأيٍ كان إلا «عقيدته الإسلامية» ، «وحتى يكون قراره من رأسه؛ ينبغي أن يكون رغيفه من فأسه».
إن الحركات الإسلامي











